ابن العربي
403
أحكام القرآن
مقمرة قال : فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلّى بجنب الحائط ، فلما انتهت إلىّ عرفتني ، فقالت : مرثد ! فقلت : مرثد . فقالت : مرحبا وأهلا ، هلمّ فبت عندنا الليلة . قال : قلت : باعناق ، حرّم اللّه الزنا ، قالت : يأهل الخيام ، هذا الرجل يحمل أسراكم . . . وذكر الحديث . قال : حتى قدمت المدينة فقلت : يا رسول اللّه ، أأنكح عناق ؟ فأمسك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يردّ علىّ شيئا ، فنزلت « 1 » : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . . . الآية . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا مرثد ، الزاني لا ينكح . . . وقرأها إلى آخرها ، وقال له : فلا تنكحها . فأما من قال : إنها نزلت في بغايا معلومات فكلام صحيح . وأما من قال : إنّ معناه الزاني لا يزنى إلا زانية فما أصاب فيه غيره ، وهي من علوم القرآن المأثورة عن معلمه المعظم ابن عباس . وأما من قال : لا ينكح المحدود إلا محدودة ، وهو الحسن ، يريد أنّ معنى الآية : الزانية التي تبيّن زناها ، ويصحّ أن يخبر عنها به ؛ وذلك لا يكون إلا فيمن نفذ عليه الحدّ ؛ وقبيل نفوذ الحدّ هي محصنة يحدّ قاذفها ، وهو الذي منع من نكاحها ومعه نتكلم وعليه نحتج . وإذا قال القائل : إنّ معناه إذا زنى بامرأة فلا يتزوجها فيشبه أن يكون قولا ، لكن مخرجه ما قدمناه من أنّ تحريم ذلك إنما يكون قبل الاستبراء ، وتكون الآية مسوقة لبيان أنه لا يسترسل على المياه الفاسدة بالنكاح إلّا زان أو مشرك كما سبق ، أو يكون معناه ما اختاره عالم القرآن ؛ قال : المراد بالنكاح الوطء ، والآية نزلت في البغايا المشركات ؛ والدليل عليه أنّ الزانية من المسلمات حرام على المشرك ، وأنّ الزاني من المسلمين حرام عليه المشركات ، فمعنى الآية أنّ الزاني لا يزنى إلا بزانية لا تستحلّ الزنا أو بمشركة تستحله ، والزانية لا يزنى بها إلّا زان لا يستحل الزنا أو مشرك يستحله . وأما من قال : إنّ الآية منسوخة فما فهم النسخ ؛ إذ بيّنا أنه لا يكون إلا بين الآيتين المتعارضتين من كل وجه ؛ بل الآية التي احتجّ بها عاضدة لهذه الآية وموافقة لها ؛ لأنّ اللّه تعالى حرّم نكاح الزناة « 2 » والزواني ، وأمر بنكاح الصالحات والصالحين .
--> ( 1 ) سورة النور ، آية 3 ( 2 ) في ل : الزانية والزاني .